حسن بن عبد الله السيرافي
273
شرح كتاب سيبويه
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه * فيه كما عسل الطّريق الثّعلب " 1 " قال أبو سعيد : وكان ينبغي أن يقول : " عسل في الطّريق الثّعلب " وعسل : عدا . وهو يصف رمحا يهتزّ متنه ، فجعل سرعة اهتزازه بمنزلة عسلان الثّعلب . ولم يجعل سيبويه الطريق ظرفا ؛ لأن الطريق اسم خاصّ للموضع المستطرق ، ألا ترى أنه لا يقال للمسجد طريق ، ولا للبيوت طرق على الإطلاق ، وإنما يقال : " جعلت المسجد طريقا " أي استطرقته ، وليس الطريق المعروف على هذا المنهاج . وقد قال بعض النحويين إن الطريق ظرف ؛ لأن كل موضع استطرقته فهو طريق . قال سيبويه : " ويتعدّى إلى ما كان وقتا للأماكن ، كما يتعدّى إلى ما كان وقتا في الأزمنة ، لأنه وقت يقع في المكان ولا يختصّ به مكان واحد ، كما أن ذلك وقت في الأزمان ، ولا يختص به زمن بعينه " . قال أبو سعيد : يريد أن الفعل يتعدى إلى ما كان مقدار مسافته من الأمكنة ، نحو الفرسخ والميل ، وذلك أن الفرسخ والميل وما أشبهه يصلح وقوعه على كل مكان بتلك المسافة المعلومة المقدّرة ، وسمّاه وقتا ؛ لأن العرب قد تستعمل التوقيت في معنى التقدير ، وإن لم يكن زمنا ، ألا ترى أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقّت مواقيت الحجّ لكل بلد ، فجعلها أماكن ، فميقات أهل العراق " ذات عرق " وميقات أهل الشام " الجحفة " ، وميقات أهل المدينة " ذو الحليفة " . وسبيل الفرسخ والميل في المكان كسبيل اليوم والشهر في الزمان . قال سيبويه : " فلما صار بمنزلة الوقت في الزمن كان مثله " ، يعني لما صار الفرسخ في المكان بمنزلة الشهر في الزمن كان مثله في الظرف . قال سيبويه : " وكذلك كان ينبغي أن يكون إذ صار فيما هو أبعد نحو ذهبت الشأم " . يعني أنّ العرب لما جعلوا الشأم ظرفا بالتأويل الذي ذكرناه ، كان الفرسخ والميل ، وما أشبه ذلك أولى بالظرف ؛ لأنه لكل مكان ، والشأم أبعد من ذلك ؛ لأنّه اسم مكان بعينه .
--> ( 1 ) البيت في ديوان الهذليين 1120 ، وسيبويه 1 / 16 ، وخزانة الأدب 1 / 474 ، واللسان ( عسل ) .